سيد محمد طنطاوي
190
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) * جملة مستأنفة بمثابة التعليل للنهي ، والتأكيد لوجوب اجتناب المنهي عنه . أي لا تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء ، لأن بعض اليهود أولياء لبعض منهم ، وبعض النصارى أولياء لبعض منهم ، والكل يضمرون لكم البغضاء والشر ، وهم وإن اختلفوا فيما بينهم ، لكنهم متفقون على كراهية الإسلام والمسلمين . وقوله * ( ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّه مِنْهُمْ ) * تنفير من موالاة اليهود والنصارى بعد النهى عن ذلك . والولاية لليهود والنصارى إن كانت على سبيل الرضا بدينهم ، والطعن في دين الإسلام ، كانت كفرا وخروجا عن دين الإسلام . وإلى هذا المعنى أشار ابن جرير بقوله : قوله : * ( ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّه مِنْهُمْ ) * أي : ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم ، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه راض . وإذا رضى دينه ، فقد عادى من خالفه وسخطه . وصار حكمه حكمه » . وإذا كانت الولاية لهم ليست على سبيل الرضا بدينهم وإنما هي على سبيل المصافاة والمصادقة كانت معصية تختلف درجتها بحسب قوة الموالاة وبحسب اختلاف أحوال المسلمين وتأثرهم بهذه الموالاة . قال الفخر الرازي : قوله : * ( ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّه مِنْهُمْ ) * قال ابن عباس : يريد كأنه مثلهم . وهذا تغليظ من اللَّه وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين . روى عن أبي موسى الأشعري أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - إن لي كاتبا نصرانيا فقال : مالك ؟ قاتلك اللَّه ، ألا اتخذت حنيفيا أما سمعت قول اللَّه تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ والنَّصارى أَوْلِياءَ ) * قلت : له دينه ولى كتابته . فقال : لا أكرمهم إذ أهانهم اللَّه ، ولا أعزهم إذ أذلهم اللَّه . ولا أدنيهم إذ أبعدهم اللَّه قلت لا يتم أمر البصرة إلا به . فقال : مات النصراني والسلام . يعنى : هب أنه مات فما تصنع بعد ، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره » « 1 » . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * تعليل لكون من يواليهم منهم وتأكيد للنهي عن موالاتهم .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 16 .